الامام أحمد بن حنبل رحمه الله

(164 - 241هـ)

أحد الأئمة الأعلام، ومن الأفذاذ الذين قلَّما يجود الزمان بمثلهم. أحاط بالمجد من جميع أطرافه، وبرز في كثير من العلوم، فهو عند المحدِّثين: إمامهم، وعند الفقهاء: سيدهم، وعند الحفاظ: أميرهم، وعند الشجعان: رائدهم، وعند الثابتين على الحق: قائدهم.

 

المحتويات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسمه ونسبه

هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيَّان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان ابن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الذهليّ الشيباني. يلتقي نسبه مع الرسول صلي الله عليه وسلم في: نزار بن معد بن عدنان. قدم به والده من مرو وهو حمل، فوضعته أمه في بغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة. وتوفى أبوه وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمه. ويُنسب إلى جده لشهرته.

 

شيوخه

سمع الإمام أحمد من عدد كبير من العلماء يصعب حصرهم، ويطول ذكرهم. حيث أكثر الترحال إلى كثير من الأمصار كـ: البصرة، والكوفة، والشام، والجزيرة، والحرمين، واليمن، وغيرها.

وأذكر من شيوخه على سبيل المثال:

محمد بن إدريس الشافعي، وسُفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وإسماعيل بن عُليَّة، وهشيم بن بشير، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وغيرهم.

قال الحافظ الذهبيّ: ((فعدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند: مئتان وثمانون ونيف)).

وقال ابن الجزري: ((مئتان وثمانون رجلاً)).

 

تلاميذه

سمع من الإمام أحمد عدد كثير من العلماء، ورحل إليه الناس من أماكن بعيدة ليسمعوا منه. وممّن سمع منه:

ابنيه عبد الله وصالح، وابن عمه حنبل بن إسحاق، وأبو زُرعة، والبخاريّ، ومسلم، وأبو داود صاحب السنن -، والأثرم، وأبو يعلى الموصلي -صاحب المسند -، والميمونيّ، وابن هانئ، وغيرهم.

 

حفظه

يمتاز الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بالحفظ الواسع، والإطلاع الكثير، حيث شهد له بذلك حفاظ الأمة ومُحدِّثوها.

"حزُرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثنى عشر حملاً وعدلاً، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدّثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه على ظهر قلبه".

  • وقال عبدالله بن أحمد: قال لي أبو زُرعة: ((أبوك يحفظ ألف ألف حديث)).
  • وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل:

"كَتَب أبي عشرة آلاف ألف حديث، لم يكتب سواداً في بياض إلا حفظه" .

 

ثناء الأئمة عليه

"خرجتُ من بغداد، وما خَلَّفتُ بها أحداً أتقى ولا أروع ولا أعلم من أحمد بن حنبل" .

وكفى بهذه شهادة من شيخه وإمام عصره محمد بن إدريس رحمه الله تعالى.

  • وقال عبدالرزاق بن همّام الصنعاني:

"ما قدم علينا أحدٌ كان يشبه أحمد بن حنبل" .

  • وقال أيضاً:

"ما رأيتُ مثل أحمد بن حنبل" .

قلت: قال عبدالرزاق ذلك، وقد رأى أئمة العلم مثل: معمر بن راشد، والإمام مالك، والسفياني، وابن جُريج، وابن معين، وغيرهم.

  • وقال إبراهيم الحربي:

"كأنّ الله قد جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما يرى ويمسك ما شاء" .

  • وقال شجاع بن مخلد: سمعت أبا الوليد الطيالسيّ يقول:

"ما بالمِصْرَيْن - يعني: الكوفة والبصرة - رجلٌ أكرم عليَّ من أحمد بن حنبل" .

  • وقال الهيثم بن جميل:

"إن عاش هذا الفتى سيكون حجَّةٌ على أهل زمانه" .

  • وقال أبو جعفر النفيلي:

"كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين" .

وقال الإمام الذهبي:

"كان أحمد عظيم الشأن، رأساً في الحديث، وفي الفقه، وفي التألّه. أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟!! وكان مهيباً في ذات الله. حتى قال أبو عبيد -القاسم بن سلام -: ما هبت أحداً في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل" .

 

احترام العلماء له

قال إدريس بن عبد الكريم المقرئ:

"رأيتُ علماءنا مثل الهيثم بن جميل، ومصعب الزبيريّ -وذكر (20) عالماً من الحفاظ والفقهاء -فيمن لا أحصيهم من أهل العلم والفقه، يُعظمون أحمد بن حنبل، ويُجلّونه، ويوقِّرونه، ويبجلونه، ويقصدونه للسلام عليه".

وقال أحمد بن شيبان:

"ما رأيتُ يزيد بن هارون لأحد أشدّ تعظيماً منه لأحمد بن حنبل، وكان يقعده إلى جنبه إذا حدثنا وكان يوقر أحمد بن حنبل ولا يمازحه".

صدق ابن النحاس حينما قال في الإمام أحمد بن حنبل:

"رحمه الله، عن الدنيا ما كان أصْبره، وبالماضين ما كان أشْبهه، وبالصالحين ما كان ألْحقه. عُرضتْ له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها".

قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى على قول ابن النّحاس: ((وهذه حال أئمة المتقين، الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: "وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُواْ بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ" (سورة السجدة :24).

وقال يحيى بن معين:

"كان في أحمد خصال ما رأيتها في عالم قط، كان محدِّثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً".

ومن أجمل ما ذكر في وصف زهد الإمام أحمد قول تلميذه: سليمان ابن الأشعث السجستاني -صاحب السنن -:

"لقيت مائتين من مشايخ العلم، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل لم يكن يخوض فيه النَّاس من أمر الدنيا. فإذا ذُكر العلم تكلم".

وقال أبو داود أيضاً:

"كانت مجالسةُ أحمد بن حنبل مجالسةَ الآخرة. لا يُذكر فيها شيء من الدنيا. ما رأيتُ أحمد ذكر الدنيا قط".

 

فقه الإمام أحمد

ومن المعلوم أنَّ مذهب الإمام أحمد في الفقه أحد المذاهب المعتبرة، ويعتبر رابع المذاهب المشهورة.

انَّ الإمام أحمد بن حنبل أحد المحدِّثين البارزين، جمع من علمه بالحديث ورجاله فقهاً استطاع به أن يعرف دلائل النصوص ومراميها.

قد أثنى كثير من العلماء على فقه الإمام أحمد بن حنبل ثناءً عظيماً، ومن ذلك ما قاله شيخه عبد الرزاق بن همّام:

"ما رأيتُ أفقه من أحمد بن حنبل ولا أروع".

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام:

"انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى ابن أبي شيبة وهو أحْفظهم له، وإلى عليّ بن المدينيّ وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له".

 

محنة الإمام أحمد بن حنبل

وكان ابن حنبل قوي العزيمة صبورًا ثابت الرأي قوي الحجة، جريئًا في التكلم عند الخلفاء مما كان سببًا له في محنته المشهورة. وهي أنه في عصر خلافة المأمون العباسي أثيرت في سنة 212هـ مسألة القول بخلق القرآن، التي كانت عقيدة المعتزلة. حتى قيل من لم يعترف بهذه المسألة من العلماء والفقهاء فعقابه الحرمان من وظائف الدولة مع العقاب بالضرب والسجن. وكان ابن حنبل على خلاف ما يقولون ولم يعترف بقولهم، وكان في ذلك كالطود الثابت الراسخ، لم يركن إلى ما قاله المأمون، فكان نتيجة ذلك أن طبق عليه العقاب ومنع من التدريس وعذِّب وسجن في سنة 218هـ على يد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي نائب المأمون، ثم سيق مكبلاً بالحديد حيث يقيم المأمون خارج بغداد، غير أن الخليفة المأمون مات قبل وصول أحمد بن حنبل إليه. وتولى الخلافة بعد المأمون أخوه، المعتصم، فسار على طريقة المأمون في هذه المسألة بوصية منه فسجن أحمد وأمر بضربه بالسياط عدة مرات حتى كان يغمى عليه في كل مرة من شدة الضرب، واستمر في ضرب أحمد وتعذيبه نحو ثمانية وعشرين شهرًا. ولما لم يغير أحمد ولم يرجع عن عقيدته ومذهبه أطلق سراحه وعاد إلى التدريس. ثم مات المعتصم سنة 227هـ وتولى بعده الواثق بالله فأعاد المحنة لأحمد ومنعه مخالطة الناس ومنعه من التدريس أكثر من خمس سنوات، حتى توفي الواثق سنة 232هـ، وتولى الخلافة بعده المتوكل، فأبطل بدعة خلق القرآن سنة 232 وترك للناس حرية اعتقادهم وكرَّم أحمد وبسط له يد العون وظل أحمد على منهاجه ثابتًا على رأيه حتى توفي ببغداد.

 

المراجع

سير أعلام النبلاء

الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ومسنده  لأحمد بن عبدالرحمن بن سليمان الصويان

الموسوعة العربية العالمية Global Arabic Encyclopedia

http://www.mawsoah.net

 

1022 مشاهدات
أصلحنا أو أصلح نفسك
.
تعليقات
الصفحة أعلى