وقفات قبل الفوات


فإن العبد ضعيف، والزمان صعب، والمعين قليل، والشغل كثير، والعمر قصير، وفبي العمل تقصير، والأجل قريب، والسفر بعيد، والطاعة هي الزاد فلا بد منها، فمن ظفر بها فقد فاز وسعد أبد الآبدين، ومن فاته ذلك فقد خسر مع الخاسرين، وهلك مع الهالكين.

 

المحتويات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

احذر طول الأمل

اعلم رحمك الله بأن طول الأمل عائق عن كل خير وطاعة، جالب لكل شر وفتنة، داء عضال يوقع الخلق في أنواع البليّات.

واعلم أنك إذا طال أملك هاج لك منه أربعة أشياء:

أحدهما: ترك الطاعة والكسل فيها، تقول: سوف أفعل والأيام بين يدي، ولا يفوتني شيء.

الثاني: ترك التوبة وتسويفها، تقول: سوف أوب، وفي الأيام السّعة وأنا شاب، والتوبة بين يدي، وأنا قادر عليها متى رمتها، ورّما اغتاله الحمام على الاصرار، واختطفه الأجل قبل إصلاح العمل.

الثالث: الحرص على الجمع والاشتغال بالدنيا عن الآخرة.

الرابع: القسوة في القلب والنسيان لللآخرة، لأنك إذا أمّلت العيش الطويل، لا تذكر الموت والقبر، وإنما رقة القلب وصفوته بذكر الموت والقبر، والثواب والعقاب وأحوال الآخرة.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكّر في الآخرة". رواه الحاكم في المستدرك (1\376) (1363)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4584).

أسوأ من هذه؟ وأي آفة أعظم من هذه؟ ومل هذا بسبب طول الأمل.
واعلم أن ذكر الموت، أعظم دواء في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل. كفانا الله والمؤمنين شرّه.
فاحتفظ بهذه الجملة، وحصّلها موفقا، فإنّ الحاجة إليها ماسّة، ودع عنك تضييع الوقت في القيل والقال، واللهو واللعب.
والله الموفق بفضله.

 

كن غريبا أو عابر سبيل

عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي وقال:" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أهل القبور" رواه الترمذي (23333)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ( 1902).


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها" رواه الترمذي ( 2377) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1936).

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:" ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا اليوم من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولاحساب، وغدا حساب ولا عمل" رواه البخاري 11\239) معلقا مجزوما به. وانظر الكلام على هذا الأثر في الفتح (11\240 ـ 241).


 

اغتنم الصحة والفراغ

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". رواه البخاري (6412).
أي: ذو خسران فيهما كثير من الناس.

فمن استعمل فراغه وصحّته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم لكفى.

 

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه:" اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" رواه البيهقي في شعب الإيمان (10248) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1077).

فينبغي للعاقل في حال الصحة أن يغتنم الفرصة، حتى إذا مرض كتب له عمله في الصحة، وأن يحرص ما دام مقيما على كثرة الأعمال الصالحة، حتى إذا سافر كتب له ما كان يعمل في الإقامة. شرح رياض الصالحين (3\227) للعلامة ابن عثيمين.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا" رواه البخاري (2996).

 

القبر صندوق العمل

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يتبع الميت ثلاثة، فيرجع إثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله" رواه البخاري (6514) ومسلم ( 2960).

 

اغتنم حياتك قبل موتك

اعلم ـ رحمك الله ـ أن الشيء الممكن وجوده لا يعرف مقداره على الحقيقة إلا إذا عدم وفقد، وطلب فلم يوجد،

ألا ترى رحمك الله أن الصحة لا يعرف مقدارها على الحقيقة إلا المرضى، والعافية لا يعرف مقدارها إلا المبتلى، فكذلك الحياة لا يعرف مقدارها إلا الموتى، لأنهم قد ظهرت لهم الأمور وانكشفت لهم احقائق، وتبدت لهم المنازل، وعلموا مقدار الأعمال الصالحة، إذ ليس ينفع هناك إلا عمل صالح زكي، ولا يرتفع هناك إلا عبد تقيّ، وكلما ازداد في الدنيا فضيلة كان أقرب الى الله وسيلة.

فلما استبان لهم ذلك، وعلموا مقدار ما ضيّعوا، وقيمة ما فرّطوا ندموا وأسفوا، وودوا لو أنهم الى الدنيا رجعوا ليتوبوا ويجتهدوا في الطاعة، ولا سبيل لهم إلى ذاك.
فلو وجدت ذرة من تلك الأحوال في أوان العافية، حصل كل مقصود من العمل بالتقوى.

فانتهز أخي فرصة الزمان، قبل تعذر الإمكان، قبل أن تنقل من اسم ما زال الى خبر كان، قبل أن يأتي يوم يدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، قبل أن يقول المذنب: ربّ أرجعون. فيقال: فات. كان ما كان وأتى ما هو آت.

قال صلى الله عليه وسلم:{ حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ أرجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا، إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون} [ المؤمنون: 99 – 100].

وقال جل جلاله:{ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخرّتني الى أجل قريب فأصّدق وأكن من الصالحين* ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، والله خبير بما تعملون} [المنافقون: 10 – 11].

البدار البدار قبل الفوات، والحذار الحذار قبل الموت، ما في المقابر من دفين إلا وهو متألم من سوف.

 

الدنيا مزرعة الآخرة

إنّ الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيرا من قول أو عمل، حصد الكرامة، ومن زرع شرا من قول أو عمل، حصد غدا الندامة. جامع العلوم والحكم ( 2/ 124).


عن جابر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة" أخرجه الترمذي (3464) وابن حبان ( 826) والحاكم (1/ 501 -502) وصححه ووافقه الذهبي.

فكم يضيّع الآدمي كم ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل! وهذه الأيام مثل المزرعة، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف في البذر ويتوانى؟!

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد: أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنّة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر" أخرجه الترمذي ( 3462) وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي ( 2755).

 

قال ابن القيّم رحمه الله: السنة سجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها؛ فمن كانت أنفاسه في طاعة: فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية: فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم الميعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرّها.

 

الأعمال بالخواتيم

عن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:".. إنما الأعمال بخواتيمها" قطعة من حديث رواه البخاري ( 6493) و ( 6607).
 عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إنما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه" رواه ابن ماجه (4199)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ( 3385).
 العمر بآخره، والعمل بخاتمته.
 من أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته، ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعا، ومن أساء في آخر عمره لقي ربه بذلك الوجه.

ما أصعب الانتقال من البصر الى العمى، وأصعب منه الضلالة بعد الهدى، والمعصية بعد التقى. كم من شارف مركبة ساحل النجاة، فلمّا همّ أن يرتقي لعبت به موج الهوى فغرق. الخلق كلهم تحت هذا الخطر، قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيفيشاء.

 

عبر وعظات

عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى، حتى يبلّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار، فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه"

قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه" رواه الترمذي ( 2424)، وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي (1878).

بكى عثمان وغير عثمان، لأنه الأمر الذي يبكى عليه، ويصرف الاهتمام كله إليه. وهذا هو الذي قطع قلوب الخائفين، وأسال الله عبرات التائبين، وأسهر ليالي العابدين. ونحن في غفلة عن هذا الأمر العظيم.

 عن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال:" من طال عمره وحسن عمله" قال: فأي الناس شر؟ قال:" من طال عمره وساء عمله" رواه الترمذي (2330)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1889).

إن العبد على جناح سفر، إما إلى الجنة وإما الى النار، فإذا طال عمره وحسن عمله كان على طول سفره زيادة له في حصول النعم واللذة، وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه، ونزولا له الى أسفل، فالمسافر إما صاعد وإما نازل.

فينبغي للمؤمن ان يكون طول عمره زيادة في عمله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" .. واجعل الحياة زيادة في كل خير.." قطعة من حديث رواه مسلم (2720) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" الجنة أقرب الى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" رواه البخاري (6488).

والمعنى أن الطاعة موصلة الى الجنة، والمعصية مقرّبة الى النار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء.

فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها.
فتح الباري (11/ 329)

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها" رواه الترمذي (2601) وحسّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2097).
 عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء جبريل عليه السلام الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" ي امحمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. ثم قال: يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس" رواه الحاكم ( 4/ 324 – 325) ( 7921)، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع ( 73).
عن أبي هريرة رذي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمرّ على جبل يقال له: جمدان، فقال: " سيروا هذا جمدان سبق المفرّدون" قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله! قال:" الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" رواه مسلم ( 2676).

 

المراجع

الكتاب : وقفات قبل الفوات
المؤلف : عبدالهادي بن حسن وهبي

عبدالهادي بن حسن وهبي
شبكة مجاهد مسلم الإسلامية الدعوية
www.islammi.jeeran.com
منير الليل
www.saowt.com/forum

 

 

694 مشاهدات
أصلحنا أو أصلح نفسك
.
تعليقات
الصفحة أعلى